محمد الريشهري
2654
ميزان الحكمة
هيهات هيهات ! فلعله أن يكون قد غفر له ما أتى وأنت موقوف محاسب ، أما تلوت قصة سحرة موسى ( عليه السلام ) ( 1 ) . - عنه ( عليه السلام ) : إذا هبطتم وادي مكة فالبسوا خلقان ثيابكم ، أو سمل ثيابكم ، أو خشن ثيابكم ، فإنه لن يهبط وادي مكة أحد ليس في قلبه شئ من الكبر إلا غفر الله له ، فقال عبد الله بن أبي يعفور : ما حد الكبر ؟ قال : الرجل ينظر إلى نفسه إذا لبس الثوب الحسن يشتهي أن يرى عليه ، ثم قال : * ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ) * ( 2 ) . أقول : قال أبو حامد في بيان حقيقة الكبر : اعلم أن الكبر ينقسم إلى ظاهر وباطن ، والباطن هو خلق في النفس ، والظاهر هو أعمال تصدر من الجوارح ، واسم الكبر بالخلق الباطن أحق ، وأما الأعمال فإنها ثمرات لذلك الخلق ، وخلق الكبر موجب للأعمال ، ولذلك إذا ظهر على الجوارح يقال : تكبر ، وإذا لم يظهر يقال : في نفسه كبر ، فالأصل هو الخلق الذي في النفس ، وهو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه ، فإن الكبر يستدعي متكبرا عليه ومتكبرا به ، وبه ينفصل الكبر عن العجب كما سيأتي ، فإن العجب لا يستدعي غير المعجب ، بل لو لم يخلق الإنسان إلا وحده تصور أن يكون معجبا ، ولا يتصور أن يكون متكبرا إلا أن يكون مع غيره ، وهو يرى نفسه فوق ذلك الغير في صفات الكمال ، فعند ذلك يكون متكبرا ، ولا يكفي أن يستعظم نفسه ليكون متكبرا فإنه قد يستعظم نفسه ولكن يرى غيره أعظم من نفسه أو مثل نفسه فلا يتكبر عليه ، ولا يكفي أن يستحقر غيره فإنه مع ذلك لو رأى نفسه أحقر لم يتكبر ولو رأى غيره مثل نفسه لم يتكبر ، بل ينبغي أن يرى لنفسه مرتبة ولغيره مرتبة ، ثم يرى مرتبة نفسه فوق مرتبة غيره ، فعند هذه الاعتقادات الثلاثة يحصل فيه خلق الكبر ، لا أن هذه الرؤية هي الكبر ، بل هذه الرؤية وهذه العقيدة تنفخ فيه فيحصل في قلبه اعتداد وهزة وفرح وركون إلى ما اعتقده ، وعز في نفسه بسبب ذلك ، فتلك العزة والهزة والركون إلى المعتقد هو خلق الكبر ، ولذلك قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : أعوذ بك من نفخة الكبرياء ( 3 ) . [ 3436 ] ذم التبختر في المشي الكتاب * ( ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ) * ( 4 ) . * ( ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور ) * ( 5 ) . * ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) * ( 6 ) . - الإمام الباقر ( عليه السلام ) - في قوله تعالى : * ( ولا تمش
--> ( 1 ) الكافي : 8 / 128 / 98 . ( 2 ) البحار : 79 / 312 / 14 . ( 3 ) المحجة البيضاء : 6 / 228 . ( 4 ) الإسراء : 37 . ( 5 ) لقمان : 18 . ( 6 ) الفرقان : 63 .